عِطْرُ مَدَافِنِ الْيَاسَمِينِ
تحتَ التُّرَابِ لِيَ قَلْبٌ بِهِ بَوْحُ،
وَدِفْءُ الْقَبْرِ فِيهِ الرُّوحُ مَجْرُوحُة.
وَعِنْدَ الْغُرُوبِ، حَيْثُ الدَّهْشَةُ الْكُبْرَى،
تُصَاحِبُنِي غَوَائِلُها فَيَعْلُو الصَّيْحُ.
الصَّمْتُ فِي الْوَادِي والسَّكِينَةُ كَاسِيَةٌ،
وَلُغَةُ الدَّمْعِ لَا يَنْهَاهَا تَبْرِيحُ.
صَهِيلُ الشَّوْقِ لَا يَسْتَأْذِنُ الْعَذَلَا،
يَلُمُّهُ الْبَرْقُ ثُمَّ يُبَدِّدُهُ الْمَسْحُ.
وَحُلْمٌ أَسْطُورِيٌّ نَاشِرٌ سَنَاهُ فِي
أُفُقِي، بَعْدَمَا بَعْثَرْتَهُ أَوْرَاقُ النَّوْحُ.
لِلْمَسَاءِ رَجْفَةٌ تَخْطَفُ سَلامِي مِنْ
فُؤَادٍ هَزَّهُ الشَّغَفُ وَ فِيهِ الْجَمْحُ.
عَلَى مَرَامِيَ أَغْزِلُ الضَّوْءَ لَا وَهَناً،
لِوَجْهٍ يَزْدَهِي فِيهِ السَّنَا وَ الطَّلْحُ.
أُنَثِّرُ الطُّهْرَ عِطْراً فَوْقَ مَتْنِ حَرْفِي،
أُعَانِقُ الْحَرْفَ، فِي تَقْبِيلِهِ الْوَجَعُ.
عُيُونِي تَنْسَكِبُ عِبْرَاتُهَا جَلَلاً،
وَهَاجِسِي فِي رُبَاكِ الْغَضِّ مَفْتُوحُ.
لَيْتَ لِقَاءً بِلَا مِيعَادَ نَعْكُفُهُ،
فَتُجْرَى الرُّوحُ، وَالْإِشْرَاقُ مَمْنُوحُ.
وَتَتَّجِمُّل قَهْوَتِي فِي رُوحِ مَدْفَنِهَا،
تُخَالِطُ النَّدَى، وَيَاسَمِينُها يُزْجَى.
هَذَا الْهُدُوءُ الْمُحَاكِي، طَقْسُهُ يَأْسٌ،
بِمُحَاوَلَةِ اسْتِرْجَاعِ رُوحٍ هِيَ الْفَتْحُ.
أَنْتِ الْمُمَيَّزَةُ، لَا مِثْلٌ لَكِ يُعْرَفُ،
مَزِيجُ مُرِّ الرَّحِيلِ، وَ الْوُدُّ مَطْرُوحُ.
لِلْيَاسَمِينِ عَلَى قَبْرٍ لَهُ شَغَبٌ،
بَسْمَتُهُ بِالْأَعَالِي لِي وَ مَصْبُوحُ.
كُلُّ حَرْفٍ دُفِنْتِ تَحْتَهُ لَهُ وَجْدٌ،
وَلِقَاءُ وَهْمٍ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ يُحْكَى.
وَحِينَ يُحَدِّثُنِي حُلْمٌ بِهِ عَنْكِ،
تُمْطِرُ سَمَاءُ شَوْقِي أَلْفَ يَاسَمِينُ.
بقلم/ عبدالرحمن الجزائري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق