غربة الموت في الشعر الجاهلي
لـ د. صاحب خليل إبراهيم
قراءة نقدية
بقلم د. سؤدد يوسف الحميري
دراسة (غربة الموت في الشعر الجاهلي) للكاتب الشاعر والناقد الدكتور صاحب خليل إبراهيم
من الدراسات التي حظيت وتحظى برعاية واهتمام واستقصاء الباحثين والدارسين والمهتمين بدراسة الشعر الجاهلي؛ لما تحتويه هذه الدراسة من المنهجية العلمية في تناول موضوع غربة الموت، والموضوعية في طرح الأفكار التي تحتويه ، والشعرية في اختيار وانتقاء الشواهد الشعرية، تعينه في ذلك امتلاك الكاتب الذائقة الشعرية والموسيقية ، والملكة الأدبية والنقدية.
وهي دراسة من الدراسات التي جذبتنا للاطلاع عليها وقراءتها منذ الوهلة الأولى التي وقعت عيننا عليها، مما حرى بنا إلى قراءتها لاكتشاف مكامن الجمال والسر وراء هذا الشد والانجذاب ، وبعد تسليط الضوء عليها تبين لنا ان الجذب يبتدأ من العتبة الأولى للكتاب وهو عنوانه (غربة الموت) فطالما أخذت هاتان المفردتان مأخذاً ذا اثر كبير في الشعر العربي؛ لما لهما من اثر في المنحى النفسي والوجداني الذي غلب على الشعراء عند تناولهما؛ لانهما على ارتباط مباشر بالإنسان بعامة ولاسيما الشاعر، ولطالما أبدى الإنسان خوفه منهما سواء أكان ذلك من الغربة أو الموت، فكيف سيكون الحال عند اجتماعهما معا وامتزاجهما سوية في الشخص نفسه؟ ما أقساه من شعور؟!
وهي دراسة تندرج بشكل متسلسل ، استطاع الكاتب ان يتناول مفرداتها بشكل سلس وواضح يعينه في ذلك قدرته الشعرية الإبداعية ، وملكته الأدبية الفائقة، والحسّ النقدي الخالص ، فجاءت موضوعات هذه الدراسة متدرجة تدرجاً سلسلا ومترابطة ترابطا يشدنا من أول الدراسة إلى نهاية مطافها.
سعى الكاتب د. صاحب خليل إبراهيم إلى ان يقدم في كتابه(غربة الموت في الشعر الجاهلي) رصداً وتحليلاً فنياً للجهد الشعري في العصر الجاهلي ، وتسليط الأضواء على حقيقة الموت التي لا مفر منها ، وقد استقرت في وعي الشاعر وعلم بزوال الحياة المادية ، وان الفناء واقع لا محالة ، وقد آمن بذلك. وان الحياة ما هي إلا رحلة قصيرة يجد الإنسان فيه نفسه غريباً ، ولابد له من ان يعاني من غربة أخرى في موته المحقق أيضا لما في الموت من رهبة ، وانه لابد من ان ينفصل عن الحياة وأشيائها وموجوداتها بفراق ابدي.
أما فيما يتعلق بحتمية الموت، فنجد إن الشاعر الجاهلي كان يدرك حتمية الموت، وان لا مفر ولا مناص من انطفاء حياة الإنسان، واستشهد على حتمية الموت بقول امرئ القيس:
إلى عرق الثرى وشجت عروقي وهذا الموت يسلبني شبابي
إن إحساس الشاعر بغربة الموت كان ثقيل الوطأة عليه، وهي ابعد صور الغربة إمعاناً في الرهبة والجزع.
فالغربة معاناة وألم وحرقة يستشفها المرء من خلال الأفعال والأقوال، وان الغــــربة لاحقت وتلاحق الإنسان في حياته ومماته، ففي الأولى كان غريباً يبحث عن مستقر، وفي الثانية(الموت) غربة أيضا، هي غربة أبدية.
وتمتزج غربة الموت بغربة الحياة التي يصورها الشاعر بالمحسوسات التي تدور حوله ، فهو كأس مُرة وكربة وجفاف، ويطمح الإنسان في أعماقه إلى الخلود، ولكن هيهات ان يتحقق له ذلك المطمح، ومجرد التفكير بالموت يوحي بالغربة، فهو سالب للشباب والنعم مما يشكل غربة مؤلمة، ومن هنا يمكن القول ان غربة الموت تعني:
1- فراق الحياة.
2- فراق الأحبة والأصحاب والملذات.
لقد وُفقَ الكاتب في تناول الأثر الذي يتركه الموت في الغربة، وما أقساه من شعور ! إذ تناول الموت في الغربة ، واثر ذلك في إحساس الشاعر آنذاك عندما يموت غريباً بعيداً عن أرضه وأهله وأحبابه.
فالموت إحساس فاجع للمرء حين يتذكره وهو يعيش اسعد اللحظات التي يحياها ، فتنقلب سعادته إلى كدر، فيعتصر قلبه الخوف، ويتوجس خيفة منه، ويتفاقم هذا الإحساس للغريب الذي بعد عن الأوطان، ونأى عن الخلان والأحباب والأهل، فيسوح في عالم تجتاحه غربتان غربة مكان وزمان في آن معاً، وغربة موت في الغربة، وهو ما اصطلح عليه الكاتب في دراسته بـ (الموت في الغربة).
واستشهد الكاتب بإشعار لامرئ القيس الذي حفل بأمثلة كثيرة في الموت في الغربة، فنجده متألماً لكونه يموت غريباً بأرض الروم بعيداً عن ارض قومه، فنحسّ بالألم الذي عاناه فضلا عن اعترافه بإن الموت حق، حيث يقول:
فلو إني هلكت بدار قومي لقلت الموت حق لا خلودا
ولكني هلكت بأرض قوم بعيد من دياركم بعيدا
بأرض الروم لا نسب قريب ولا شاف فيسند أو يعودا
انه أسير غربتين: غربة المكان وغربة الموت في الغربة، بعيدا عن أرضه وقومه، فحنينه يعج في صدره ممتزجاً باليأس الذي لا انفراج له، ويتعاور عنده المعنيان الموت في الغربة وغربة الموت.
وقد أحسنَ الكاتب عندما تناول الموت عبر ما ترويه الأسطورة، مما يوضح لنا ارتباط الشاعر بالسحر والكهانة، مما يرمز إلى وجود علاقة من نوع العلاقة المنشودة في الشعر والسحر. إذ ارتبطت الأسطورة بحياة الأمم والشعوب منذ قديم الزمان، وقد اختلف الدارسون والباحثون في تعريف الأسطورة وتحديد مفهومها. كما ارتبطت الأسطورة بالدين ، على ان من علماء المدرسة التطويرية من يرى ان الناس اعتقدوا في مرحلة من مراحل التطور يمكنهم التأثير في محيطهم عن طريق السحر ، ثم تلتها مرحلة دينية..ويشير آخرون إلى ان الشاعر قد يستخدم الأساطير انطلاقا من الأحداث التاريخية التي تحمل دلالات عميقة.
ومن هنا فان الأسطورة غنية بالرموز التي ان فسرت زودتنا بفهم عميق لنفس الإنسان الداخلية ورغباته اللاشعورية المكبوتة، وان لكل شعب تراثه يحمل في طياته صوراً غنية ودلالات متنوعة من تاريخه البعيد، وعن تصوراته الذهنية الساذجة وتعليله البدائي اللاعقلاني للظواهر والوقائع.
وفي الشعر الجاهلي ما يوضح لنا ارتباط الشاعر بالسحر والكهانة، فقد روي من قصص العرب وأساطيرهم ما يرمز إلى وجود علاقة من نوع العلاقة المنشودة في الشعر والسحر.
اما فيما يختص بموضوع المصالحة مع الموت ، فقد وجد الكاتب ان من الشعراء من تصالح مع الموت ، فلا يرهبه أو يفزعه.. إذ كان الشاعر الجاهلي يدرك ان لا مفر ولا مناص من انطفاء حياة الإنسان بالموت، ولذا تصالح بعضهم مع الموت ، فلا يرهبه، ولا يطلب النجاة منه، وفي الوقت نفسه لا يهرب منه، ويذكره على انه حقيقة واقعة. وبهذا المعنى قال عمرو بن كلثوم التغلبي:
وانا سوف تدركنا المنايا مقدرة لنا ومقدرينا
فكان للكاتب ان يوضح رد فعل الشعراء تجاه واقعة الموت، فوجد ان مواجهة الموت باتجاه الإفلات من قبضته مواجهة خاسرة ، لانه حتمية واقعة لا ينجو منها احد.
بيد ان هناك رد فعل عند الشعراء من تلك الحتمية يتمثل في مسلكين هما:
1- المسلك العبثي.
2- مسلك الخلود.
وجد الكاتب فيما يخص المسلك العبثي ان بعض من الشعراء من أدرك فناء الجسد، ففر إلى العبثية في الحياة يمارسها بأنواعها المختلفة رد فعل تجاه الموت، ويضيف الكاتب بقوله يلتجئ الشاعر إلى العبثية في الحياة، والتمتع بملذاتها طالما ان الموت حقيقة واقعة لابد منها، وينطلق امرؤ القيس معبراً عن الفناء الذي لابد منه ، ومن هذا المنطلق فانه يدعو إلى التمتع بالدنيا وما فيها من نشوات متعددة فيقول:
تمتع من الدنيا فانك فانٍ من النشوات والنساء الحسان
ووجد من الشعراء من ذهب لينشد الخلود المعنوي رد فعل أخر. حيث ينزع الشعراء في الإطار الموضوعي إلى التوجه شعرياً إلى الخلود ومحاولة تحقيقه لذات البشرية في إطار معنوي رضي به الشعراء بعد ان أيقنوا باستحالة الخلود المادي، يقول هشام بن حرملة:
دعيني فان الجود لن يتلف الفتى ولن يخلد النفس اللئيمة لومها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه مفرقة في القبر بادٍ رميمها
وأخيرا حاول الكاتب من خلال رؤية فنية شعرية إبداعية إبراز القيم الفنية عبر الاضاءات الفنية والمقومات الأسلوبية.
استطاع الكاتب تسليط الضوء على خصائص الأداء المعنوي بيانياً من خلال الصورة الفنية بعدّها أداة فنية بارعة لنقل صورة الانفعال الإنساني باستخدام المشاركة الحسية العنيفة، حيث نجد صوراً واقعية كثيرة غطت مساحة الشعر الجاهلي، بيد اننا نجد جمال تلك الصور في تشبيهات جميلة لا تقل روعة عن الصور والتشبيهات المجازية والكناية والاستعارة والتضاد والاستفهام وغلبة سلطان الحواس فضلا عن خصائص الأداء اللغوي، إذ استطاع ان يبرز كيف ان الشعراء تمكنوا من ان يعبروا عن غربة الموت ، والموت في الغربة، وما يتعلق بهما أو يتفرع عنهما بألفاظ صريحة تناولت الغربة والموت أم بألفاظ دالة عليهما، لا تخرج عن إطارهما. واستشهد بقول بشر بن أبي خازم:
ثوى في ملحد لابد منه كفى بالموت نايا واغترابا
هذا وتناول الكاتب في دراسته خصائص الأداء الموسيقي ببراعة وقدرة على إبراز التجربة الشعرية على صعد مختلفة منها الأداء الموسيقي، بما يمتلك من ملكة شعرية وأُذن موسيقية ذائقة وحسّ موسيقي مرهف.
وقد انبثق الإيقاع من حالتين حالة الحياة وحالة الموت ، وان حالة الحياة أقوى بإيقاعها ونغمها من حالة الموت؛ لكون الشاعر يطمح إلى الخلود.
وصولا إلى نهاية المطاف ونتائج الدراسة، إذ كشفت لنا الاضاءات الفنية أبعاد الموضوع عبر مستويات متعددة معنوية بيانية ولغوية وموسيقية وعبر ثنائيات الضدية، مما أوضحت تلك الاضاءات غربة الموت أدباً وفناً لا يختلف عن الشعر الجاهلي في موضوعاته المتعددة .
وأخيرا نقول ان الكاتب قد وُفق في رصده واجادَ في تحليله للجهد الشعري في العصر الجاهلي ، وتمكن ببراعة فائقة ونظرة ثاقبة ورؤية فنية أدبية نقدية ملموسة من تسليط الأضواء على حقيقة الغربة والموت.
نسأل الله دوام التوفيق والسداد للكاتب والشاعر والناقد المبدع د. صاحب خليل إبراهيم
والى مزيد من العطاء والإبداع .
لـ د. صاحب خليل إبراهيم
قراءة نقدية
بقلم د. سؤدد يوسف الحميري
دراسة (غربة الموت في الشعر الجاهلي) للكاتب الشاعر والناقد الدكتور صاحب خليل إبراهيم
من الدراسات التي حظيت وتحظى برعاية واهتمام واستقصاء الباحثين والدارسين والمهتمين بدراسة الشعر الجاهلي؛ لما تحتويه هذه الدراسة من المنهجية العلمية في تناول موضوع غربة الموت، والموضوعية في طرح الأفكار التي تحتويه ، والشعرية في اختيار وانتقاء الشواهد الشعرية، تعينه في ذلك امتلاك الكاتب الذائقة الشعرية والموسيقية ، والملكة الأدبية والنقدية.
وهي دراسة من الدراسات التي جذبتنا للاطلاع عليها وقراءتها منذ الوهلة الأولى التي وقعت عيننا عليها، مما حرى بنا إلى قراءتها لاكتشاف مكامن الجمال والسر وراء هذا الشد والانجذاب ، وبعد تسليط الضوء عليها تبين لنا ان الجذب يبتدأ من العتبة الأولى للكتاب وهو عنوانه (غربة الموت) فطالما أخذت هاتان المفردتان مأخذاً ذا اثر كبير في الشعر العربي؛ لما لهما من اثر في المنحى النفسي والوجداني الذي غلب على الشعراء عند تناولهما؛ لانهما على ارتباط مباشر بالإنسان بعامة ولاسيما الشاعر، ولطالما أبدى الإنسان خوفه منهما سواء أكان ذلك من الغربة أو الموت، فكيف سيكون الحال عند اجتماعهما معا وامتزاجهما سوية في الشخص نفسه؟ ما أقساه من شعور؟!
وهي دراسة تندرج بشكل متسلسل ، استطاع الكاتب ان يتناول مفرداتها بشكل سلس وواضح يعينه في ذلك قدرته الشعرية الإبداعية ، وملكته الأدبية الفائقة، والحسّ النقدي الخالص ، فجاءت موضوعات هذه الدراسة متدرجة تدرجاً سلسلا ومترابطة ترابطا يشدنا من أول الدراسة إلى نهاية مطافها.
سعى الكاتب د. صاحب خليل إبراهيم إلى ان يقدم في كتابه(غربة الموت في الشعر الجاهلي) رصداً وتحليلاً فنياً للجهد الشعري في العصر الجاهلي ، وتسليط الأضواء على حقيقة الموت التي لا مفر منها ، وقد استقرت في وعي الشاعر وعلم بزوال الحياة المادية ، وان الفناء واقع لا محالة ، وقد آمن بذلك. وان الحياة ما هي إلا رحلة قصيرة يجد الإنسان فيه نفسه غريباً ، ولابد له من ان يعاني من غربة أخرى في موته المحقق أيضا لما في الموت من رهبة ، وانه لابد من ان ينفصل عن الحياة وأشيائها وموجوداتها بفراق ابدي.
أما فيما يتعلق بحتمية الموت، فنجد إن الشاعر الجاهلي كان يدرك حتمية الموت، وان لا مفر ولا مناص من انطفاء حياة الإنسان، واستشهد على حتمية الموت بقول امرئ القيس:
إلى عرق الثرى وشجت عروقي وهذا الموت يسلبني شبابي
إن إحساس الشاعر بغربة الموت كان ثقيل الوطأة عليه، وهي ابعد صور الغربة إمعاناً في الرهبة والجزع.
فالغربة معاناة وألم وحرقة يستشفها المرء من خلال الأفعال والأقوال، وان الغــــربة لاحقت وتلاحق الإنسان في حياته ومماته، ففي الأولى كان غريباً يبحث عن مستقر، وفي الثانية(الموت) غربة أيضا، هي غربة أبدية.
وتمتزج غربة الموت بغربة الحياة التي يصورها الشاعر بالمحسوسات التي تدور حوله ، فهو كأس مُرة وكربة وجفاف، ويطمح الإنسان في أعماقه إلى الخلود، ولكن هيهات ان يتحقق له ذلك المطمح، ومجرد التفكير بالموت يوحي بالغربة، فهو سالب للشباب والنعم مما يشكل غربة مؤلمة، ومن هنا يمكن القول ان غربة الموت تعني:
1- فراق الحياة.
2- فراق الأحبة والأصحاب والملذات.
لقد وُفقَ الكاتب في تناول الأثر الذي يتركه الموت في الغربة، وما أقساه من شعور ! إذ تناول الموت في الغربة ، واثر ذلك في إحساس الشاعر آنذاك عندما يموت غريباً بعيداً عن أرضه وأهله وأحبابه.
فالموت إحساس فاجع للمرء حين يتذكره وهو يعيش اسعد اللحظات التي يحياها ، فتنقلب سعادته إلى كدر، فيعتصر قلبه الخوف، ويتوجس خيفة منه، ويتفاقم هذا الإحساس للغريب الذي بعد عن الأوطان، ونأى عن الخلان والأحباب والأهل، فيسوح في عالم تجتاحه غربتان غربة مكان وزمان في آن معاً، وغربة موت في الغربة، وهو ما اصطلح عليه الكاتب في دراسته بـ (الموت في الغربة).
واستشهد الكاتب بإشعار لامرئ القيس الذي حفل بأمثلة كثيرة في الموت في الغربة، فنجده متألماً لكونه يموت غريباً بأرض الروم بعيداً عن ارض قومه، فنحسّ بالألم الذي عاناه فضلا عن اعترافه بإن الموت حق، حيث يقول:
فلو إني هلكت بدار قومي لقلت الموت حق لا خلودا
ولكني هلكت بأرض قوم بعيد من دياركم بعيدا
بأرض الروم لا نسب قريب ولا شاف فيسند أو يعودا
انه أسير غربتين: غربة المكان وغربة الموت في الغربة، بعيدا عن أرضه وقومه، فحنينه يعج في صدره ممتزجاً باليأس الذي لا انفراج له، ويتعاور عنده المعنيان الموت في الغربة وغربة الموت.
وقد أحسنَ الكاتب عندما تناول الموت عبر ما ترويه الأسطورة، مما يوضح لنا ارتباط الشاعر بالسحر والكهانة، مما يرمز إلى وجود علاقة من نوع العلاقة المنشودة في الشعر والسحر. إذ ارتبطت الأسطورة بحياة الأمم والشعوب منذ قديم الزمان، وقد اختلف الدارسون والباحثون في تعريف الأسطورة وتحديد مفهومها. كما ارتبطت الأسطورة بالدين ، على ان من علماء المدرسة التطويرية من يرى ان الناس اعتقدوا في مرحلة من مراحل التطور يمكنهم التأثير في محيطهم عن طريق السحر ، ثم تلتها مرحلة دينية..ويشير آخرون إلى ان الشاعر قد يستخدم الأساطير انطلاقا من الأحداث التاريخية التي تحمل دلالات عميقة.
ومن هنا فان الأسطورة غنية بالرموز التي ان فسرت زودتنا بفهم عميق لنفس الإنسان الداخلية ورغباته اللاشعورية المكبوتة، وان لكل شعب تراثه يحمل في طياته صوراً غنية ودلالات متنوعة من تاريخه البعيد، وعن تصوراته الذهنية الساذجة وتعليله البدائي اللاعقلاني للظواهر والوقائع.
وفي الشعر الجاهلي ما يوضح لنا ارتباط الشاعر بالسحر والكهانة، فقد روي من قصص العرب وأساطيرهم ما يرمز إلى وجود علاقة من نوع العلاقة المنشودة في الشعر والسحر.
اما فيما يختص بموضوع المصالحة مع الموت ، فقد وجد الكاتب ان من الشعراء من تصالح مع الموت ، فلا يرهبه أو يفزعه.. إذ كان الشاعر الجاهلي يدرك ان لا مفر ولا مناص من انطفاء حياة الإنسان بالموت، ولذا تصالح بعضهم مع الموت ، فلا يرهبه، ولا يطلب النجاة منه، وفي الوقت نفسه لا يهرب منه، ويذكره على انه حقيقة واقعة. وبهذا المعنى قال عمرو بن كلثوم التغلبي:
وانا سوف تدركنا المنايا مقدرة لنا ومقدرينا
فكان للكاتب ان يوضح رد فعل الشعراء تجاه واقعة الموت، فوجد ان مواجهة الموت باتجاه الإفلات من قبضته مواجهة خاسرة ، لانه حتمية واقعة لا ينجو منها احد.
بيد ان هناك رد فعل عند الشعراء من تلك الحتمية يتمثل في مسلكين هما:
1- المسلك العبثي.
2- مسلك الخلود.
وجد الكاتب فيما يخص المسلك العبثي ان بعض من الشعراء من أدرك فناء الجسد، ففر إلى العبثية في الحياة يمارسها بأنواعها المختلفة رد فعل تجاه الموت، ويضيف الكاتب بقوله يلتجئ الشاعر إلى العبثية في الحياة، والتمتع بملذاتها طالما ان الموت حقيقة واقعة لابد منها، وينطلق امرؤ القيس معبراً عن الفناء الذي لابد منه ، ومن هذا المنطلق فانه يدعو إلى التمتع بالدنيا وما فيها من نشوات متعددة فيقول:
تمتع من الدنيا فانك فانٍ من النشوات والنساء الحسان
ووجد من الشعراء من ذهب لينشد الخلود المعنوي رد فعل أخر. حيث ينزع الشعراء في الإطار الموضوعي إلى التوجه شعرياً إلى الخلود ومحاولة تحقيقه لذات البشرية في إطار معنوي رضي به الشعراء بعد ان أيقنوا باستحالة الخلود المادي، يقول هشام بن حرملة:
دعيني فان الجود لن يتلف الفتى ولن يخلد النفس اللئيمة لومها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه مفرقة في القبر بادٍ رميمها
وأخيرا حاول الكاتب من خلال رؤية فنية شعرية إبداعية إبراز القيم الفنية عبر الاضاءات الفنية والمقومات الأسلوبية.
استطاع الكاتب تسليط الضوء على خصائص الأداء المعنوي بيانياً من خلال الصورة الفنية بعدّها أداة فنية بارعة لنقل صورة الانفعال الإنساني باستخدام المشاركة الحسية العنيفة، حيث نجد صوراً واقعية كثيرة غطت مساحة الشعر الجاهلي، بيد اننا نجد جمال تلك الصور في تشبيهات جميلة لا تقل روعة عن الصور والتشبيهات المجازية والكناية والاستعارة والتضاد والاستفهام وغلبة سلطان الحواس فضلا عن خصائص الأداء اللغوي، إذ استطاع ان يبرز كيف ان الشعراء تمكنوا من ان يعبروا عن غربة الموت ، والموت في الغربة، وما يتعلق بهما أو يتفرع عنهما بألفاظ صريحة تناولت الغربة والموت أم بألفاظ دالة عليهما، لا تخرج عن إطارهما. واستشهد بقول بشر بن أبي خازم:
ثوى في ملحد لابد منه كفى بالموت نايا واغترابا
هذا وتناول الكاتب في دراسته خصائص الأداء الموسيقي ببراعة وقدرة على إبراز التجربة الشعرية على صعد مختلفة منها الأداء الموسيقي، بما يمتلك من ملكة شعرية وأُذن موسيقية ذائقة وحسّ موسيقي مرهف.
وقد انبثق الإيقاع من حالتين حالة الحياة وحالة الموت ، وان حالة الحياة أقوى بإيقاعها ونغمها من حالة الموت؛ لكون الشاعر يطمح إلى الخلود.
وصولا إلى نهاية المطاف ونتائج الدراسة، إذ كشفت لنا الاضاءات الفنية أبعاد الموضوع عبر مستويات متعددة معنوية بيانية ولغوية وموسيقية وعبر ثنائيات الضدية، مما أوضحت تلك الاضاءات غربة الموت أدباً وفناً لا يختلف عن الشعر الجاهلي في موضوعاته المتعددة .
وأخيرا نقول ان الكاتب قد وُفق في رصده واجادَ في تحليله للجهد الشعري في العصر الجاهلي ، وتمكن ببراعة فائقة ونظرة ثاقبة ورؤية فنية أدبية نقدية ملموسة من تسليط الأضواء على حقيقة الغربة والموت.
نسأل الله دوام التوفيق والسداد للكاتب والشاعر والناقد المبدع د. صاحب خليل إبراهيم
والى مزيد من العطاء والإبداع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق